أبي منصور الماتريدي

95

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ثم يحتمل قوله أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا بالحظ بالتقريب والإدناء في المجلس وجعلهم متبوعين من بيننا بعد ما كانوا أتباعا لنا فقال عند ذلك أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ أي : عرف هؤلاء نعمة الله تعالى ، ووجهوا شكر نعمه إليه وأنتم وجهتم شكر نعمه إلى غيره بعد ما عرفتم أنه هو المنعم عليكم والمسدي إليكم . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 54 إلى 58 ] وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 54 ) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ( 55 ) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ( 56 ) قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ ( 57 ) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ ( 58 ) قوله - عزّ وجل - : وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ هذا يدل على أن النهي عن الطرد ليس للإبعاد خاصة في المجلس ، ولكن في كل شيء في بشاشة الوجه واللطف في الكلام وفي كل شيء ؛ لأنه قال فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ وقوله - عزّ وجل - : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ قال بعضهم كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ هو أن يبدأهم بالسلام فذلك الذي كتب على نفسه الرحمة . وقال بعضهم قوله كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أي : لم يأخذهم في أول ما وقعوا في المعصية ولكن أمهلهم إلى وقت وجعل لهم المخرج من ذلك بالتوبة وعلى ذلك ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال : « فتح الله للعبد التوبة إلى أن يأتيه الموت » . وقوله - عزّ وجل - : أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي : كل من عمل سوءا بجهالة ثم تاب من بعد ذلك وأصلح أنه يغفر له ما كان منه . ومن قرأها بالنصب عطفه على قوله : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لذلك . وجائز أن يكون قوله كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أي : كتب على خلقه الرحمة أن يرحم بعضهم بعضا . وجائز ما ذكرنا أنه كتب على نفسه الرحمة أي : أوجب أن يرحم ويغفر لمن تاب . وقوله - عزّ وجل - : مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ جائز أن يكون الآية في الكافر إذا